سلطنة عمان: نظرة سريعة في منظورها الحضاري النهضوي

آخر تحديث : الثلاثاء 11 أبريل 2017 - 1:38 مساءً

عمان أو غرناطة الشرق، هكذا كنت أصفها أمام طلابي، وذلك ليزدادوا فخرا واعتزازا ببلدهم عمان. وأبرر لهم الوصف بكون النور يأتي من الشرق. فالرسالات وإشراقات الشمس والأقمار أنوارها تأتي من المشرق. فإذا خسرنا أنوار غرناطة وطليطلة، فان عمان عوضتنا عن الخسارة والفقد، علوما وآدابا أخلاقا طيبة الندى، والألطاف والأعراق.

بدأت قوافل الاستفهامات تتزاحم في مخيلتي، وأنا شاعر برهبة الموضوع. فمن أين لي الجرأة ومخزوني المعرفي لا يفي بحاجات الكتابة! كيف وأنا لم يمض على وجودي بالسلطنة سوى سنة غير مكتملة الشهور وبيني وبينكم، كنت كمن يمشي إلى الهيجاء بغير سلاح! إلا أن زيارتي لـ”قصر البستان” وهو آية من آيات فن العمارة في عمان، حفزني بقوة على امتشاق القلم والشروع في تدوين نتائج تأملاتي وملاحظاتي عن مشاهداتي لكل ما يقع تحت بصري أو قرأت عنه في أمهات الكتب العمانية، أو استخلصته من الحوارات والأنشطة الثقافية بالأندية والمهرجانات وغيرها.

عقدت العزم على الكتابة، وقلت مع نفسي وأنا أتدبر أحر المنهجية، ماخاب من استشار والقليل المحكم خير من الثرثرة أو التعبير العماني “السولفة الفاضية

أول سؤال أجبت عنه في منولوجي الداخلي أنه “لاحركة ثورية بدون نظرية ثورية. قياسا على هذه المقولة الرائجة في الأدبيات الماركسية، أنه كذلك “لا نهضة حضارية بدون منظور حضاري”. هكذا تشكل عندي موضوع المقال. فإن أصبت فلي أجران، وإن أخطأت فلي أجر المحاولة.

الأمور بخواتمها، فإذا أعطى المنظور الحضاري النهضوي للعمانيين؟ فكانت الإجابة ميسورة ومجتزأة من الواقع العمانيين أنه أعطاهم هذا التقدم الذي تسر الزائر والباحث  مظاهره. أما دعائمه فهي الوحدة الوطنية، والاعتدال العقائدي، ومحاربة الأمية، وتعزيز “اللغة العربية كوعاء أصيل للمنظور الحضاري، مضافا إليها حذق اللغات الحية العالمية بهدف التواصل مع الشعوب والأمم والاستفادة الواعية من منجزاتها الثقافية والحضارية معا.

  • وإذا دققنا التأمل في تلك الدعائم سنكتشف أن المنظور الحضاري النهضوي العماني مصبوغ بصيغتين: الشمولية والإنفتاحية. فمثلا محو الأمية وإعلاء شأن اللغة العربية يفيدان في جعل الثقافة في متناول كل مواطن عماني وعمانية، ويسهمان في حركية التعبير والإبداع. أما الانفتاحية فتتجلى أولا، في تعلم اللغات الحية كاللغة الإنجليزية التي تحتل الرتبة الثانية في فلسفة التعليم بعمان. وسلطان عمان هو الرائد الأول في قيم الانفتاح، يشدد عليها في خطاباته. وللتاريخ فإن السلطان قابوس بن سعيد المعظم هو باعث ومجدد النهضة العمانية، قاد بلده إلى الأمن والاستقرار والتقدم.وندعو الباحثين إلى مزيد من البحث والتعريف بهذا القائد العربي وثورته النهضوية القوية والرائعة.
  • إن الشمولية جعلت أيضا، العماني يهتم بكل ما هو ماثل في أرض عمان من آثار، ومن أفكار وطموحات لنتائج العمل الثقافي الموروث والحاضر الأصيل، مع العناية الفائقة بالثقافة الجديدة من مسرح وسينما وفنون تشكيلية، وموسيقى (السيمفونية،مثلا)…الخ
  • وقد صدق من قال: إن الإنسان العماني فنان بطبعه. مرة قطعت بيتا من الشعر على وزن البحر الكامل، فقام طالب عماني، يوقع مقاطعة حركاته وسكناته، بأصابع يديه على الطاولة بصورة مدهشة، والطلاب يوقعون خلفه فقط، القافية فكانت إشراقه ومتعة وجدانية وفنية غاية في تذوق الشعر. كيف لا وهم أهل النظم وأحفاد الخليل بن أحمد الفراهيدي. ولهم قدرة عجيبة على تطويع الآلات الغربية للترقية بالغناء العماني. ولا يخدعنك العماني بعمامته ودشداشة ووداعته البارزة، فهو مثل “ميسي” في ركل كرة القدم، ومايكل جاكسون في حركات رقصه، وشارلي شابلن” في حكاية تمثيليه، أما المبارزة بالسيف، فلن تحس إلا وقد خدش مجمع بطنك! ساموراي ياباني بحق وحقيق وسردت هذه الأمثلة، لأن كثيرا من الوافدين قدموا عمان منزوين بالغرور، أو تصخم الذات. فبئست الوفادة! بل لا أكد أن الثقافة العمانية لا تعني أنها نسق واحد، وإنما أنساق وروافد في النهر الأعظم والمجرى الواحد، إنه المنظور العماني. فالثقافات الحية طالما تواصلت في إثراء بعضها البعض. (أقيم مؤخرا معرض الرسومات الفنان الإسباني: بيكاسو، لا أذكر بولاية مسقط أو غيرها) من شهر مارس 2017م.
  • ثم إن المنظور الحضاري تطلب متطلبات تتمثل في وضع قوانين لحماية الآثار من مدن تاريخية أو قلاع، أو مخطوطات، وحتى الحيوانات البرية كالعناية بـ”الصقر الأدهم المهاجر” وسباق الهجن والخيل، وكل الحرف المهنية وغيرها. وعن حصانة السياسة العمانية إنها لم تقتصر على الإجراءات القانونية، بل عززتها بالحوافز المادية، وصون حقوق المبدعين وإنشاء مؤسسات وهيئات عامة تسهر على العناية والتنفيذ والتطوير ومتابعة المستجدات وطنيا وعربيا وعالميا.
  • وبما أن سلطنة عمان وريثة لحضارة ضارية الجذور في ماض سحيق، وما تزال شعلة الحياة فيها  لم تخمد، فإن منظورها الحضاري قد رتب على  شعب عمان ونخبه، وقيادته الفدة، مسؤوليات تاريخية في تجديد روح النهضة الحضارية ليس في عمان فقط، بل في العالم المعاصر. إنها مهمة استثنائية، ونحن واثقين أنهم أهل كفاءة وكفاية.
  • إن المجتمع العماني يستند إلى خلفية جيدة، بل هائلة، بها يستطيع بناء مستقبل حضاري متجدد في المنظور والنتائج، وأهم شيء يملك قدرة التحرر من ضغوط الماضي وقوالبه الجامدة المستهلكة التي لم تبق فيها حياة، وربما قد تهدد عزلته عن حركة العالم والمستقبل، ولن تنفعه حفظ “أحجار سوق مرباط”. وكل ماتخشاه هو التورط في اختيارات سطحية غير أصيلة لا تنسجم مع الذات العمانية. فمثلا عبر القناة الثقافية لعمان فن “المناظرة” عن النقل عن أفكار الآخرين والتبني الساذج لأفكارهم. فلا خوف على معادلة الأصالة والمعاصرة في عمان والله الموفق.

ذ: غانم المهدي- المغرب

(أستاذ، سابق، بعمان شارك في فلسفة “التعمين” دون أن يكون همه الأول الكسب المادي)

2017-04-11 2017-04-11
اترك تعليقاً

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

fatiha