سلطنة عمان: من الاقتداء إلى الاعتماد على الذات

آخر تحديث : الخميس 30 مارس 2017 - 11:59 صباحًا

غانم المهدي (مناضل قومي)

الحداثة في الحياة العمانية أتت مع تولي السلطان قابوس بن سعيد شؤون الحكم في بلده عُمان، فقد حرص دوماً، على أن يراها تحتل مكانة مرموقة بمصاف الدول المتقدمة.

لقد انكب في البداية على الاقتداء دونما تفريط في الأصالة، ولما اشتد عود المجتمع العماني، بدأت خطة الاعتماد على الذات.

ومن أسباب نجاح الخطة، أن الذات العمانية لم تكن متفسخة على مستوى القيم الإنسانية والوئام بين العمانيين. إنه سر من أسرار تطور المجتمع العماني في هذا البلد العربي المسلم.

الرؤية العمانية من أهم سيماتها الراسخة أنها رؤية “منفتحة” والروح متعطشة للمعرفة، ولكن الرؤية لا تقبل بكل شيء، ميزتها أنها ناقدة. إذ ترى أن لكل أمة جوانب إيجابية وأخرى سلبية. تحث أبناءها وبناتها على الأخذ بالإيجابي وتجاوز السلبي، والاعتماد على النفس أو المبادرة الذاتية.

فالقادة العمانيون وفي المقدمة عمان: السلطان قابوس بن سعيد يؤكدون، وبصورة حاسمة ومتواصلة على مبدأ الذاتية في التعلم واكتساب المعرفة والمهارات، والابتكارات الأصيلة. والمبدأ هَذا يعتبرونه “رئيسيا” والسعي إلى العون الخارجي “قيمة مضافة” ليس إلا، مع التحذير من سياسة الانعزال. فهم يدعون إلى تبادل الخبرات والمعرفة العلمية بغض النظر عن أيديولوجيات ذلك الآخر المتعاون.

فأيما باحث ومتأمل في الرؤية العمانية، سيكتشف أنها تركز على العلوم والتقنية باعتبارها تنتمي إلى حلبة القوى المنتجة مع الأخذ بأهمية الحقول المعرفية الأخرى. فالرؤية متكاملة ومتنوعة علميا وأدبيا وفنيا. كما أن الرؤية تقرن التعليم بالاقتصاد. وهي من التصورات التي كانت وراء النهضة الصينية حتى اصبحت عملاقاً منافسا لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وغيرهما من الدول الصناعية الكبرى.

وهكذا تدفع عمان بأبنائها المتميزين إلى أرقى الجامعات بالخارج، كما شيدت أخرى بالداخل؛ لدراسة العلوم والتقنيات المعقدة، واستيعاب المفاهيم، والأساليب المتطورة في ميدان الميكنة، إذ تنفق أموالا باهظة من أجل تكوينهم، وتعتبر أن النهوض بالعملية التعليمية الذاتية، هي أساس التحديث والخروج من شرنقة التخلف الاجتماعي والاقتصادي … إلخ

وبكل أمانة، ومن غير مزايدة، يمكننا أن نقرر أن سلطنة عمان وبهمة قيادتها الوطنية، وتلاحم الشعب العماني وتضحياته المدهشة وصبره ماديا ومعنويا ما وصلت سلطة عمان إلى ما يراه المتابع من تقدم وازدهار في سائر المجالات الاجتماعية، وغيرها. يمكننا أن نقول بدون حرج أو مبالغة إننا علمنا شباب عمان، واليوم منهم نتعلم المعرفة الحديثة والمهارات، خاصة، في حقول التربية والتعليم، واكتساب التقنيات والمهارات والمناهج المتطورة. وقد كان الطلبة الأساتذة الذين أشرفت على تدريبهم وبتحبب ولطف ينادونني: يا أستاذ: “الاعتماد على الذات وإن طال المسير” وأشفع قولتهم بالمثل السائر “ما حك جلدك مثل ظفرك”. تعلموا كيف تصطادون السمك من بحر عمان، وهو وفير. فيردون بحبور: إيه والله يا استاذ، يا مغربي.

إن المدرس والكادر العماني متفوق على الوافد اليوم، في أنه يمتاز بحساسية فنية وأدبية وجمالية إبداعية غاية في الروعة، فقد كنت أتعلم من طلبتي كيف يكون التحدث الصحيح باللغة العربية الفصحى، فعلت ذلك سابقا عندما كنت أتتلمذ على أساتذتي من العراق وسوريا أما اللهجة المصرية، فهي سبب من أسباب تخريب التعليم في السلطنة وغيرها من الدول العربية. فالمدرس العماني وفي لوطنه، يخدمه بتفان وإخلاص واقتدار.

والشيء بالشيء يذكر، فتمة جرائم تعرضت لها السلطنة من قبل وافدين ليس لهم ذمة ولا ضمير، وخاصة، من الجنسيات العربية، فقد كانوا يتصرفون بروح مَافيوزية أو نقول: المافيا واللصوص. لقد خانوا الأمانة وداسوا على كل القيم الإنسانية، ضربوا بعرض الحائط حسن الضيافة، وقد استغلوا طيبوبة الشعب العماني، إذ كان كل همهم خطف ما يمكن خطفه، وجمع ما يمكن جمعه من هدايا ودواء يستحصلونه بالتمارض والغدر والختل دون حياء وخوف من الله.

مارسوا العمل بالساعات الإضافية سرا وهي ممنوعة بقرار من وزارة التعليم والشباب إذ كانوا يعمدون إلى تخفيض درجات الطلبة المتفوقين! وهؤلاء خوفا من الرسوب، يعقدون اتفاقا سرا مع المدرس الحرامي لإعطائهم دروسا خصوصية بالبيت. هؤلاء الحرامية الانتهازيون الأوغاد كانوا يدسون على الشراء من الوافدين، الذين اضطر بعضهم إلى  إنهاء إعارته والعودة إلى بلده. وقد بلغت  الخسة بأولئك المجرمين باستقدام عاهرات مدعين أنهن زوجاتهم، وبوثائق مزورة، كما كانوا يشتغلون بشهادات مزيفة، وأحد الوافدين كان حاملا لدبلوم نجارة، يصنع الأدوات التربوية، ولما توفر الكادر العماني، وأنهت الوزارة العمانية عقده وشكرته على تعاونه، قام بزيادة نقطة إلى جانب نقطة النون فأصبح دبلوم “تجارة” وذهب ليشتغل به في قطر!! السلطنة البلد المضياف والأصيل تعرض إلى خسارات كبرى من قبل عتاة الإجرام من وافدين، محسوبين على أشرف وأنبل مهنة، مارسها الأنبياء دون استثناء. لم يكونوا رسلا وإنما عصابات كاسرة.

اليوم عمان نضجت بفضل شبابها وهمة قادتها، لقد خاضوا معارك ضارية ضد التأخر، قضوا على الأمية والجهل وحذقوا اللغات الأجنبية الحية، فالمدارس لا تكاد تغلق إلا في ساعات متأخرة من الليل، حيث دروس محو الأمية، والعمانيون والعمانيات، كل تواق ومتعطش للمعرفة وللحداثة وللمنافسة الشريفة مع الأمم.

فهنيئا لهم على صبرهم، وابتلائهم الذي ابتلوا به من أولئك النصابين.

2017-03-30 2017-03-30
اترك تعليقاً

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

fatiha